محمد عبد الله دراز

62

دستور الأخلاق في القرآن

يحجز الفرد عن مقارفة الجريمة عندما تراوده نفسه بمواقعتها ، وهو بحزمه وعدله يقطع اليد المجرمة عندما تحدثها ، أيا كان صاحبها ، أو صاحبتها . قال تعالى : جَزاءً بِما كَسَبا نَكالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ « 1 » ويقول الرّسول : « لو أنّ فاطمة بنت محمّد سرقت لقطعت يدها » « 2 » . ثم هو أخيرا يقرن الموقف القانوني بالوازع الأخلاقي : فَمَنْ تابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ « 3 » . ولقد شرع هذا الحدّ عندما كان عدد اللّصوص في المجتمع لا يتجاوز أصابع اليدين عددا ، فكان قطع يد واحدة عبرة لبقية الأيدي . فكيف ، واللّصوص أصبحوا طبقة منتشرة ، وذات فنون متنوعة ؟ ألّا يقتضي هذا الوضع تحديدا جديدا لمفهوم السّرقة ، وتوسيعا لشروطها ، بحيث تنطبق على طبقات اللّصوص الجدد ، ويحقّ عليهم حدها ؟ ؟

--> ( 1 ) المائدة : 38 . ( 2 ) حاشا لفاطمة عليها السّلام أن تسرق ؛ لأنّها مشمولة بآية التّطهير إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً ، الأحزاب : 33 ، ثم لو صح الحديث عندكم فإنّه صلّى اللّه عليه وآله قال : « لو » وهو حرف امتناع لوجود ، وأراد صلّى اللّه عليه وآله ، أن يبين لهم ألّا تساهل في الأحكام الشّرعية ، وخاصة الحدود . وهذا الحديث مشهور عند أهل السّنة كما جاء في تفسير ابن كثير : 2 / 58 ، صحيح مسلم : 3 / 1315 ح 1688 ، صحيح البخاري : 3 / 1282 ح 3288 ، وورد في لفظ : ( إنّ بني إسرائيل كان إذا سرق منهم الشّريف تركوه ، وإذا سرق منهم الضّعيف قطعوه ، لو كانت فاطمة . . . ) كما جاء في صحيح البخاري : 3 / 1366 ، صحيح ابن حبّان : 10 / 248 ح 4402 ، المستدرك على الصّحيحين : 4 / 412 ح 8145 ، سنن التّرمذي : 4 / 37 ح 1430 ، سنن الدّارمي : 2 / 227 ح 2302 ، مجمع الزّوائد : 6 / 259 ، السّنن الكبرى للبيهقي : 8 / 253 ، سنن أبي داود : 4 / 132 ح 4373 . ( 3 ) المائدة : 39 .